منتديات زمن العزه الجديده
مرحبا بكم فى منتديات زمن العزه

منتديات زمن العزه الجديده

منتديات اسلاميه ثقافيه تعنى بنشر الثقافه الدينيه الصحيحه
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سورة إبراهيم

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ebrehim
مدير
avatar

عدد المساهمات : 2239
تاريخ التسجيل : 19/10/2011

مُساهمةموضوع: سورة إبراهيم   الأحد 13 نوفمبر 2011, 14:58

بَين
يَدَي السُّورَة


*
تناولت
السورة الكريمة موضوع العقيدة في أصولها الكبيرة "الإِيمان بالله، الإِيمان
بالرسالة، الإِيمان بالبعث والجزاء" ويكاد يكون محور السورة الرئيسي "الرسالة
والرسول" فقد تناولت دعوة الرسل الكرام بشيء من التفصيل، وبيَّنتْ وظيفة الرسول،
ووضحت معنى وحدة الرسالات السماوية، فالأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين جاؤوا
لتشييد صرح الإِيمان، وتعريف الناس بالإِله الحق الذي تعنو له الوجوه، وإِخراج
البشرية من الظلمات إِلى النور، فدعوتُهم واحدة، وهدفهم واحد، وإِن كان بينهم
اختلافٌ في الفروع.


*
وقد
تحدثت السورة عن رسالة موسى عليه السلام، ودعوته لقومه إِلى أن يعبدوا الله
ويشكروه، وضربت الأمثال بالمكذبين للرسل، من الأمم السابقة كقوم نوح، وعاد، وثمود،
ثم تناولت الآيات موضوع الرسل مع أقوامهم على مر العصور والدهور، وحكت ما جرى بينهم
من محاورات ومناورات انتهت بإِهلاك الله للظالمين {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي
مِلَّتِنَا
فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ
الظَّالِمِينَ
* وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ
خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ
}.


*
وتحدثت
السورة عن مشهد من مشاهد الآخرة، حيث يلتقي الأشقياء المجرمون بأتباعهم الضعفاء،
وذكرت ما يدور بينهم من حوار طويل، ينتهي بتكدس الجميع في نار جهنم يصطلون سعيرها،
فلم ينفع الأتباع تلك اللعنات والشتائم التي وجهوها إِلى الرؤساء فالكل في السعير،
ثم ضربت الآيات مثلاً لكلمة الإِيمان، وكلمة الضلال، بالشجرة الطيبة، والشجرة
الخبيثة، وختمت السورة ببيان مصير الظالمين يوم الجزاء
والدين.


التســميَــة:


سميت
السورة الكريمة "سورة إبراهيم" تخليداً لمآثر أب الأنبياء، وإِمام الحنفاء
إبراهيم عليه السلام، الذي حطم الأصنام، وحمل راية التوحيد، وجاء بالحنيفية السمحة
ودين الإِسلام الذي بعث به خاتم المرسلين، وقد قص علينا القرآن الكريم دعواته
المباركة بعد انتهائه من بناء البيت العتيق، وكلها دعوات إلى الإِيمان
والتوحيد.


تنزيل
القرآن لهداية الناس


الر
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ
الْحَمِيدِ(1)اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ
وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(2)الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ(3)وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ
يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ(4)}.



{الر}
هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة فأتوا بمثله إِن استطعتم
{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} أي هذا القرآن كتاب أنزلناه عليك يا محمد،
لم تنشئْه أنتَ وإِنما أوحيناه نحن إِليك {لِتُخْرِجَ
النَّاسَ
مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
}
أي لتخرج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إِلى نور العلم والإِيمان {بِإِذْنِ
رَبِّهِمْ
} أي بأمره وتوفيقه {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} أي
لتهديهم إلى طريق الله العزيز الذي لا يُغالب، المحمود بكل لسان، الممجَّد في كل
مكان .

{اللَّهِ
الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ
}
أي المالك لما في السماوات والأرض، الغني عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه
{وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} قال الزجاج:
{وَوَيْلٌ} كلمة تُقال للعذاب والهلكة، أي هلاك ودمارٌ للكافرين ويا ويلهم
من عذاب الله الأليم.


ثم
وضّح صفات أولئك الكفار بقوله {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
عَلَى الآخِرَةِ
} أي يفضّلون ويؤثرون الحياة الفانية على الحياة الآخرة الباقية
{وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي يصرفون الناس ويمنعونهم عن دين
الإِسلام {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي يطلبون أن تكون طريق الله معوجَّة
لتوافق أهواءهم {أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} أي أولئك المتصفون بتلك
الصفات الذميمة في ضلالٍ عن الحق مبين، لا يُرجى لهم صلاح ولا نجاح
.

{وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ
}
أي وما أرسلنا في الأمم الخالية رسولاً من الرسل إِلا بلغة قومه {لِيُبَيِّنَ
لَهُمْ
} أي ليبيّن لهم شريعة الله ويفهمهم مراده، لتتمَّ الغاية من الرسالة
{فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أي وليست وظيفة
الرسل إِلا التبليغ وأما أمر الهداية والإِيمان فذلك بيد الله يضلُّ من يشاء
إِضلاله، ويهدي من يشاء هدايته على ما سبق به قضاؤه المحكم {وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ
} أي وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه.


إرسال
الله موسى عليه السلام لهداية قومه


{وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(5)وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ
سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي
ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ(6)وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ
شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي
لَشَدِيدٌ(7)وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا
فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ(Cool}.



{وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا
}
أي أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه {أَنْ أَخْرِجْ
قَوْمَكَ
مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
}
أن تفسيرية بمعنى أيْ، والمعنى أي أخرج بني إِسرائيل من ظلمات الجهل والكفر إِلى
نور الإِيمان والتوحيد قال أبو حيان: وفي قوله {قَوْمَكَ} خصوصٌ
لرسالة موسى إِلى قومه بخلاف قوله لمحمد {لتخرج الناس} مما يدل على عموم
الرسالة {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} أي ذكّرهم بنعمه عليهم
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي في التذكير بأيام
الله لعبراً ودلالات لكل عبد منيب صابر على البلاء، شاكر للنعماء
.

{وَإِذْ
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
}
أي اذكروا نعم الله الجليلة عليكم {إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أي
حين نجاكم من الذل والاستعباد من فرعون وزبانيته {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ
الْعَذَابِ
} أي يذيقونكم أسوأ أنواع العذاب {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ
} أي يذبحون الذكور ويستبقون الإِناث على قيد الحياة
مع الذل والصغار {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي وفي تلك
المحنة ابتلاءٌ واختبار لكم من ربكم عظيم. قال المفسرون: وكان سبب قتل
الذكور أن الكهنة قالوا لفرعون إِنَّ مولوداً يولد في بني إِسرائيل يكون ذهاب ملكك
على يديه، فأمر بقتل كل مولود.

{وَإِذْ
تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ
}
هذا من تتمة كلام موسى أي واذكروا أيضاً حين أعلم ربكم إِعلاماً لا شبهة فيه لئن
شكرتم إِنعامي لأزيدنكم من فضلي {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي
لَشَدِيدٌ
} أي ولئن جحدتم نعمتي بالكفر والعصيان فإِن عذابي شديد، وعدَ بالعذاب
على الكفر، كما وعَدَ بالزيادة على الشكر {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا
أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا
} أي وقال موسى لبني إِسرائيل بعد أن أيس
من إِيمانهم لئن كفرتم أنتم وجميع الخلائق فلن تضروا اللهَ شيئاً {فَإِنَّ
اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ
} أي هو غنيٌّ عن شكر عباده، مستحق للحمد في ذاته وهو
المحمود وإِن كفره من كفره.


أخبار
بعض الرسل السابقين


{أَلَمْ
يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا
كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا
إِلَيْهِ مُرِيبٍ(9)قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ
تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ
مُبِينٍ(10)قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا
أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(11)وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى
اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ(12)}.



{أَلَمْ
يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ
وَثَمُودَ
}
أي ألم يأتكم أخبار من قبلكم من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود ماذا حلَّ بهم
لما كذبوا بآيات الله؟ {وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} أي والأمم الذين جاؤوا
بعدهم {لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ} أي لا يحصي عددهم إِلا الله
{جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج الواضحات، والدلائل
الباهرات {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي وضعوا أيديهم على
أفواههم تكذيباً لهم. وقال ابن مسعود: عضوا أصابعهم غيظاً {وَقَالُوا
إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ
} أي كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم
به {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي في شك
عظيم من دعوتكم، وقلق واضطراب من دينكم.

{قَالَتْ
رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ
}
أي أجابهم الرسل بقولهم: أفي وجود الله ووحدانيته شك؟ والاستفهام للإِنكار والتوبيخ
لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة ولهذا لفتوا الانتباه إِلى براهين وجوده بقولهم
{فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق
{يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} أي يدعوكم إِلى الإِيمان
ليغفر لكم ذنوبكم {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} أي إِن آمنتم
أمدَّ في أعماركم إِلى منتهى آجالكم ولم يعاقبكم في العاجل
فيهلككم.


{قَالُوا
إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا
}
أي ما أنتم إِلا بشر مثلنا لا فضل لكم علينا { تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا
عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
} أي تريدون أن تصرفونا عن عبادة الأوثان التي
كان عليها آباؤنا {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي فأتونا بحجة ظاهرة
على صدقكم {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}
أي قالت الرسل: نحن كما قلتم بشر مثلكم {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
} أي يتفضل على من يشاء بالنبوة والرسالة، قال
الزمخشري
: لم يذكروا فضلهم تواضعاً منهم وسلّموا لقولهم وأنهم بشرٌ مثلُهم في
البشرية وحدها، فأمّا ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم {وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ
نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ
} أي وما ينبغي لنا أن نأتيكم
بحجة وآية مما اقترحتموه علينا إِلا بمشيئة الله وإِذنه {وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
} أي على الله وحده فليعتمد المؤمنون في جميع
أمورهم.

{وَمَا
لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
}
أي قالت الرسل: أيُّ شيء يمنعنا من التوكل على الله؟ { وَقَدْ هَدَانَا
سُبُلَنَا
} أي والحال أنه قد بصّرنا طريق النجاة من عذابه {وَلَنَصْبِرَنَّ
عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا
} أي ولنصبرنَّ على أذاكم، قال ابن الجوزي:
وإِنما قُصَّ هذا وأمثاله على نبينا صلى الله عليه وسلم ليقتدي بمن قبله في الصبر
وليعلم ما جرى لهم {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} ليس
هذا تكرارا وإِنما معناه الثبات على التوكل أي فليدوموا وليثبتوا على التوكل عليه
وحده.


تهديد
الكفار رسلهم بالطرد


{وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ
الظَّالِمِينَ(13)وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ
خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ(14)وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ
عَنِيدٍ(15)مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ
صَدِيدٍ(16)يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ
مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ(17)مَثَلُ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ
الضَّلالُ الْبَعِيدُ(18)}.



{وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
}
أي قال الكفار للرسل الأطهار والله لنطردنكم من ديارنا أو لترجعنَّ إِلى ديننا
{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} أي أوحى الله
إِلى الرسل لأهلكنَّ أعداءكم الكافرين المتجبرين {وَلَنُسْكنَنَّكُمْ الأَرْضَ
مِنْ بَعْدِهِمْ
} أي ولأمنحنكم سكنى أرضهم بعد هلاكهم {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ
مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ
} أي ذلك النصر للرسل وإِهلاك الظالمين لمن خاف مقامه
بين يديّ وخاف عذابي ووعيدي، قال أبو حيّان: ولما أقسموا على إِخراج الرسل
أو العودة في ملتهم أقسم تعالى على إِهلاكهم، وأي إِخراجٍ أعظم من الإِهلاك بحيث لا
يكون لهم عودة إِليها أبداً.

{وَاسْتَفْتَحُوا
وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
}
أي واستنصر الرسل بالله على قومهم وخسر وهلك كل متجبر معاند للحق {مِنْ
وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ
} أي من وراء ذلك الكافر جهنم
ويسقى فيها من ماءٍ صديد هو من قيح ودمٍ {يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ
يُسِيغُهُ
} أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته، ولا يكاد يستسيغه لقبحه وكراهته
{وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أي يأتيه
الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنَّه لا يموت ليستكمل عذابه {وَمِنْ
وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
} أي ومن بين يديه عذابٌ أشدُّ مما قبله
وأغلظ.


{مَثَلُ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ
الرِّيحُ
}
أي مثلُ أعمالِ الكفار التي عملوها في الدنيا يبتغون بها الأجر من صدقةٍ وصلة رحم
وغيرها مثلُ رمادٍ عصفت به الريح فجعلته هباءً منثوراً {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}
أي في يومٍ شديد هبوب الريح، قال القرطبي: ضرب الله هذه الآية مثلاً لأعمال
الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف لأنهم أشركوا فيها
غير الله تعالى {لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} أي لا يقدر
الكفار على تحصيل ثواب ما عملوا من البرِّ في الدنيا لإِحباطه بالكفر، كما لا
يستطيع أن يحصل الإِنسان على شيء من الرماد الذي طيَّرته الريح {ذَلِكَ هُوَ
الضَّلالُ الْبَعِيدُ
} أي الخسران الكبير.


لله
القدرة المطلقة





{أَلَمْ
تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ
}
أي ألم تر أيها المخاطب بعين قلبك وتتأمل ببصيرتك أنَّ اللهَ العظيم الجليل انفرد
بالخلق والإِيجاد، وأنه خلق السماوات والأرض ليُستدلَّ بهما على قدرته؟ قال
المفسرون
: أي لم يخلقهن عبثاً وإِنما خلقهنَّ لأمرٍ عظيم {إِنْ يَشَأْ
يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
} أي هو قادرٌ على الإِفناء كقدرته على
الإِيجاد والإِحياء. قال ابن عباس: يريد أن يميتكم يا معشر الكفار ويخلق
قوماً غيركم خيراً منكم وأطوع {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي
ليس ذلك بصعبٍ أو متعذرٍ على الله، فإِنَّ القويَّ القادر لا يصعبُ عليه
شيء.


الحوار
بين الأشقياء والشيطان وحال السعداء


{وَبَرَزُوا
لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا
لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ
صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ(21)وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ
إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا
كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ
بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا
سَلامٌ(23)}.



{وَبَرَزُوا
لِلَّهِ جَمِيعًا
}
أي خرجوا من قبورهم يوم البعث، وظهروا للحساب لا يسترهم عن الله ساتر. قال
الإِمام الفخر الرازي
: ورد بلفظ الماضي {وَبَرَزُوا} وإِن كان معناه
الاستقبال لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدقٌ وحقٌ، فصار كأنه قد حصل ودخل في
الوجود، ونظيره {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ
النَّارِ
}.


{فَقَالَ
الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
}
أي قال الأتباع والعوام للسادة الكبراء والقادة الذين أضلوهم في الدنيا {إِنَّا
كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا
} أي كنا أتباعاً لكم نأتمر بأمركم { فَهَلْ أَنْتُمْ
مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
} أي هل أنتم دافعون عنا
شيئاً من عذاب الله؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع {قَالُوا لَوْ هَدَانَا
اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ
} أي قال القادة معتذرين: لو هدانا الله للإِيمان
لهديناكم إِليه، ولكن حصل لنا الضلال فأضللناكم فلا ينفعنا العتاب ولا الجزع
{سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} أي يستوي علينا الجزع
والصبر. قال الطبري: إِن أهل النار يجتمعون فيقول بعضهم لبعض: إِنما أدركَ
أهلُ الجنةِ ببكائهم وتضرعهم إِلى الله فتعالوْا نبكي ونتضرع إلى الله، فبكوا فلما
رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا نصبر فصبروا صبراً لم يُر مثلُه، فلما رأوا
أنه لا ينفعهم قالوا {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا}
وقال مقاتل: جزعوا خمسمائة عام، وصبروا خمسمائة عام {مَا لَنَا مِنْ
مَحِيصٍ
} أي ليس لنا من مهرب أو ملجأ.


{وَقَالَ
الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ
}
هذه هي الخطبة البتراء التي يخطب بها إِبليس في محفل الأشقياء في جهنم أي لمّا فُرغ
من الحساب ودخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ { إِنَّ اللَّهَ
وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ
} أي وعدكم وعداً حقاً بإِثابة المطيع وعقاب العاصي
فوفَّى لكم وعده {وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} أي وعدتكم ألاّ بعث ولا
ثواب ولا عقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ
سُلْطَانٍ
} أي لم يكن لي قدرة وتسلط وقهر عليكم فأقهركم على الكفر والمعاصي
{إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} أي إِلا دعائي إِياكم إِلى
الضلالة بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم {فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا
أَنْفُسَكُمْ
} أي لا ترجعوا باللوم عليَّ اليوم ولكن لوموا أنفسكم فإِن الذنب
ذنبكم .

{مَا
أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ
}
أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثيَّ من عذاب الله {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا
أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ
} أي كفرت بإِشراككم لي من الله في الطاعة
{إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي إِن المشركين لهم عذاب
مؤلم. قال المفسرون: هذه الخطبة إِنما تكون إِذا استقر أهل الجنةِ في الجنة،
وأهلُ النار في النار، فيأخذ أهل النار في لوم إِبليس وتقريعه فيقوم فيما بينهم
خطيباً بما أخبر عنه القرآن. وقال الحسن: يقف إِبليس يوم القيامة خطيباً في
جهنم على منبرٍ من نار يسمعه الخلائق جميعاً.


{وَأُدْخِلَ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
}
لمّا ذكر تعالى أحوال الأشقياء، ذكر بعده أحوال السعداء، ليبقى العبد بين الرغبة
والرهبة، وبين الخوف والرجاء أي أدخلهم الله تعالى جناتٍ تجري من تحت قصورها أنهار
الجنة ماكثين فيها أبداً بأمره تعالى وتوفيقه وهدايته {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا
سَلامٌ
} أي تُحَيِّهم الملائكة بالسلام مع الإِجلال
والإِكرام.


مثل
الكلمة الطيبة والخبيثة


{أَلَمْ
تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ
بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ(25)وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ
مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ(26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا
يَشَاءُ(27)}



{أَلَمْ
تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ
طَيِّبَةٍ
}
هذا مثلٌ ضربه الله لكلمة الإِيمان وكلمة الإِشراك، فمثَّل لكلمة الإِيمان بالشجرة
الطيبة، ولكلمة الإِشراك بالشجرة الخبيثة، قال ابن عباس: الكلمة الطيبة "لا
إِله إِلا الله" والشجرة الطيبة "المؤمن" {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي
السَّمَاءِ
} أي أصلها راسخ في الأرض وأغصانها ممتدة نحو السماء
.

{تُؤْتِي
أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا
}
أي تعطي ثمرها كلَّ وقت بتيسير الخالق وتكوينه، كذلك كلمة الإِيمان ثابتة في قلب
المؤمن، وعملُه يصعد إِلى السماء ينال بركته وثوابه في كل وقت {وَيَضْرِبُ
اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
} أي يبيّن لهم
الأمثال لعلهم يتعظون فيؤمنون.

{وَمَثَلُ
كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
}
أي ومثل كلمة الكفر الخبيثة كشجرة الحَنْظل الخبيثة {اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ
الأَرْضِ
} أي استؤصلت من جذورها واقتلعت من الأرض لعدم ثبات أصلها {مَا
لَهَا مِنْ قَرَارٍ
} أي ليس لها استقرارٌ وثبات، كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها
ولا فرع ولا بركة، قال ابن الجوزي: شُبه ما يكسبه المؤمن من بركة الإِيمان
وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين، فالمؤمن كلما قال "لا إِله إِلا
الله" صعدت إِلى السماء ثم جاء خيُرها ومنفعتها، والكافر لا يُقبل عمله ولا يصعد
إِلى الله تعالى، لأنه ليس له أصل في الأرض ثابت، ولا فرع في السماء
.

{يُثَبِّتُ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا
}
أي يثبتهم على كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وعلى الإِيمان في هذه الحياة فلا
يزيغون ولا يُفْتنون {وَفِي الآخِرَةِ} أي عند سؤال الملكين في القبر كما في
الحديث الشريف (المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله فذلك قوله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } .. الآية
{وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} أي لا يهديهم في الحياة ولا عند سؤال
الملكين وقت الممات{وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} أي من هداية
المؤمن وإِضلال الكافر لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.



التحذير
من عصيان الله، والأمر بالصلاة والإنفاق


{أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ
دَارَ الْبَوَارِ(28)جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ(29)وَجَعَلُوا
لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ
مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ(30)قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا
الصَّلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا
خِلالٌ(31)}.


سبب
النزول:

نزول
الآية (28):


{أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا
..}
قال ابن عباس: هؤلاء هم كفار مكة. وأخرج الحاكم وابن جرير والطبراني وغيرهم عن عمر
وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا في المبدّلين: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة،
وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر - أو فكفيتموهم - وأما
بنو أمية فمتعوا إلى حين.



{أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا
}
استفهام للتعجيب أي ألا تعجب أيها السامع من أولئك الذين غيَّروا نعمة الله بالكفر
والتكذيب؟ قال المفسرون: هم كفار مكة فقد أسكنهم الله حرمه الآمن، وجعل
عيشهم في السِّعة، وبعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة،
وكفروا به وكذبوه، فابتلاهم الله بالقحط والجدب {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ
الْبَوَارِ
} أي أنزلوا قومهم دار الهلاك بكفرهم وطغيانهم ثم فسَّرها بقوله
{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} أي أحلوهم في جهنم يذوقون
سعيرها وبئست جهنم مستقراً.

{وَجَعَلُوا
لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ
}
أي جعلوا لله شركاء مماثلين عبدوهم كعبادته ليُضلوا الناس عن دين الله {قُلْ
تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ
} أي استمتعوا بنعيم الدنيا
فإِن مردَّكم ومرجعكم إِلى عذاب جهنم، وهو وعيد وتهديد.

{قُلْ
لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ
}
أي قل يا محمد لعبادي الذين آمنوا فلْيقيموا الصلاة المفروضة عليهم ويؤدوها على
الوجه الأكمل {وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً} أي
ولينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الزرق خفيةً وجهرةً {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ
يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ
} أي من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا
انتفاع فيه بمبايعة ولا صداقة، ولا فداء ولا شفاعة..


دلائل
وجوده تعالى ونعمه على عباده


{اللَّهُ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ
بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ(32)وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ(33)وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا
سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ
لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34)}.



ولما
أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء ختم ذلك بذكر الدلائل الدالة على وجود
الخالق الحكيم فقال {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أي
أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق {وَأَنزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً
}
أي أنزل من السحاب المطر {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ
}
أي أخرج بالمطر من أنواع الزروع والثمار رزقاً للعباد يأكلونه {وَسَخَّرَ لَكُمْ
الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
} أي ذلَّل السفن الكبيرة لتسير
بمشيئته، تركبونها وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إِلى بلد {وَسَخَّرَ لَكُمْ
الأَنهَارَ
} أي الأنهار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا {وَسَخَّرَ
لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ
} أي وذلَّل لكم الشمس والقمر يجريان
بانتظام لا يفتران، لصلاح أنفسكم ومعاشكم {وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ
} أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار، هذا لمنامكم
وذاك لمعاشكم .

{وَآتَاكُمْ
مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ
}
أي أعطاكم كل ما تحتاجون إِليه، وما يصلح أحوالكم ومعاشكم، مما سألتموه بلسان الحال
أو المقال {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} أي وإِن
تعدُّوا نِعَم اللهِ عليكم لا تطيقوا حصرها وعدَّها، فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها
عدد {إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} الإِنسان اسم جنس أي إن الإِنسان
لمبالغٌ في الظلم والجحود، ظالمٌ لنفسه بتعديه حدود الله، جحودٌ لنعم الله، وقيل:
ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفَّار في النعمة يجمع ويمنع.


دعاء
نبي الله إبراهيم عليه السلام


{وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ
أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ(35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ
النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ(36)رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِنَ
النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ
الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي
وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي
السَّمَاءِ(38)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ
الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40)رَبَّنَا اغْفِرْ
لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
الْحِسَابُ(41)}.



{وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا
}
أي اجعل مكة بلد أمنٍ يأمن أهله وساكنوه {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ
الأَصْنَامَ
} أي احمني يا رب وجنبني وأولادي عبادة الأصنام، والغرضُ تثبيتُه
على ملة التوحيد والإِسلام {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ
كَثِيرًا
مِنَ
النَّاسِ
}
أي يا ربّ إِنَّ هذه الأصنام أضلَّت كثيراً من الخلق عن الهداية والإِيمان
{فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} أي فمن أطاعني وتبعني على التوحيد
فإِنه من أهل ديني {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي ومن خالف
أمري فإِنك يا رب غفار الذنوب رحيمٌ بالعباد .

{رَبَّنَا
إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي
}
كرّر النداء رغبةً في الإِجابة وإِظهاراً للتذلل والإِلتجاء إلى الله تعالى أي يا
ربنا إني أسكنت من أهلي - ولدي إسماعيل وزوجي هاجر- { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
} أي بوادٍ ليس فيه زرع في جوار بيتك المحرم، وهو
وادي مكة شرفها الله تعالى {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً
} أي يا ربنا لكي يعبدوك ويقيموا الصلاة أسكنتهم بهذا الوادي فاجعل
قلوبَ الناسِ تحنُّ وتسرع إِليهم شوقاً، قال ابن عباس: لو قال (أفئدة الناس)
لازدحمت عليه فارس والروم والناسُ كلهم، ولكنْ قال {مِنْ النَّاسِ تَهْوِي
إِلَيْهِمْ
} فهم المسلمون {وَارْزُقْهُمْ مِنَ
الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
}
أي وارزقهم في ذلك الوادي القفر من أنواع الثمار ليشكروك على جزيل نِعمك، وقد
استجاب الله دعاءه، فجعل مكة حرماً آمناً يجبى إليها ثمرات كل شيء رزقاً من عند
الله .

{رَبَّنَا
إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ
}
أي يا ربنا إِنك العالم لما في القلوب تعلم ما نسرُّ وما نظهر {وَمَا يَخْفَى
عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ
} أي لا يغيب عليه
تعالى شيء في الكائنات، سواء منها ما كان في الأرض أو في السماء، فكيف تخفى عليه
وهو خالقها وموجدها؟ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ
إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
} أي الحمد لله الذي رزقني على كبر سني وشيخوختي
إِسماعيل وإِسحاق. قال ابن عباس: ولد له إِسماعيل وهو ابن تسعٍ وتسعين، وولد
له إِسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ
الدُّعَاءِ
} أي مجيبٌ لدعاء من دعاه.

{رَبِّ
اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
}
هذه هي الدعوة السادسة من دعوات الخليل عليه السلام أي يا رب اجعلني ممن حافظ على
الصلاة واجعل من ذريتي من يقيمها أيضاً، وهذه خير دعوةٍ يدعوها المؤمن لأولاده فلا
أحبَّ له من أن يكون مقيماً للصلاة هو وذريته لأنها عماد الدين {رَبَّنَا
وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
} أي تقبَّلْ واستجبْ دعائي فيما دعوتك به
.

{رَبَّنَا
اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
الْحِسَابُ
}
هذه هي الدعوة السابعة وبها ختم إِبراهيم دعاءه الضارع الخاشع بالاستغفار له
ولوالديه ولجميع المؤمنين، يوم يقوم الناس لرب العالمين. قال المفسرون:
استغفر لوالديه قبل أن يتبيَّن له أنَّ أباه عدوٌ لله. قال القشيري: ولا
يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون
أمه.


من
مشاهد يوم القيامة وأهوالها


{وَلا
تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا
يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42)مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي
رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ
هَوَاءٌ(43)وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ
الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ
زَوَالٍ(44)وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ
لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ(45)وَقَدْ مَكَرُوا
مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ
الْجِبَالُ(46)فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(47)يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ
وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(48)وَتَرَى
الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ(49)سَرَابِيلُهُمْ مِنْ
قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ(50)لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا
كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(51)هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ
وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ
أُوْلُوا الأَلْبَابِ(52)}



وينتقل
السياق إِلى مشاهد القيامة وما فيها من الأهوال حين تتزلزل القلوب والأقدام
{وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} أي لا
تظننَّ يا محمد أنَّ الله ساهٍ عن أفعال الظلمة، فإِن سنة الله إِمهال العصاة ثم
يأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر، قال ميمون بن مِهْران: هذا وعيدٌ للظالم، وتعزيةٌ
للمظلوم {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} أي
إِنما يؤخرهم ليومٍ رهيب عصيب، تَشْخص فيه الأبصار من الفزع والهَلع، فتظلُّ مفتوحة
مبهوتة لا تطرف ولا تتحرك، قال أبو السعود: تبقى أبصارهم مفتوحة لا تتحرك
أجفانهم من هول ما يرونه .

{مُهْطِعِينَ
مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ
}
أي مسرعين لا يلتفتون إِلى شيء رافعين رؤوسهم مع إِدامة النظر، قال الحسن:
وجوه الناس يومئذٍ إِلى السماء لا ينظر أحدٌ إِلى أحد {لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ
طَرْفُهُمْ
} أي لا يطرفون بعيونهم من الخوف والجزع {وَأَفْئِدَتُهُمْ
هَوَاءٌ
} أي قلوبهم خالية من العقل لشدة الفزع {وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ
يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ
} أي خوّف يا محمد الكفار من هول يوم القيامة حين يأتيهم
العذاب الشديد {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ
قَرِيبٍ
} أي فيتوجه الظالمون يومئذٍ إلى الله بالرجاء يقولون يا ربنا أمهلنا
إِلى زمنٍ قريب لنستدرك ما فات {نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ}
أي نجب دعوتك لنا إِلى الإِيمان ونتّبع رسلك فيما جاؤونا به
.

{أَوَلَمْ
تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ
}
أي يقال لهم توبيخاً وتبكيتاً: ألم تحلفوا أنكم باقون في الدنيا لا تنتقلون إِلى
دار أخرى؟ والمراد إِنكارهم للبعث والنشور {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ
ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ
} أي سكنتم في ديار الظالمين بعد أن أهلكناهم، فهلاَّ
اعتبرتم بمساكنهم؟ {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي تبيَّن
لكم بالإِخبار والمشاهدة كيف أهلكناهم وانتقمنا منهم {وَضَرَبْنَا لَكُمْ
الأَمْثَالَ
} أي بينا لكم الأمثال في الدنيا فلم تعتبروا {وَقَدْ مَكَرُوا
مَكْرَهُمْ
} أي مكر المشركون بالرسول وبالمؤمنين حين أرادوا قتله {وَعِنْدَ
اللَّهِ مَكْرُهُمْ
} أي وعند الله جزاء هذا المكر فإِنه محيط بهم وبمكرهم
{وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} أي وإِن كان مكرهم
من القوة والتأثير حتى ليؤدي إِلى زوال الجبال ولكنَّ الله عصَم ووقى منه
.

{فَلا
تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
}
أي لا تظننَّ أيها المخاطب أن الله يخلف رسله ما وعدهم به من النصر وأخذ الظالمين
المكذبين {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} أي إِنه تعالى غالبٌ لا
يعجزه شيء منتقم ممن عصاه {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ
وَالسَّمَاوَاتُ
} أي ينتقم من أعدائه يوم الجزاء، يوم تتبدل هذه الأرض أرضاً
أخرى، وتتبدل السماوات سموات أخرى. قال ابن مسعود: تُبدَّل الأرضُ بأرضٍ
كالفضة نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة .

{وَبَرَزُوا
لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ
}
أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم، ومثلوا أمام أحكم الحاكمين، لا يسترهم ساتر، ولا
يقيهم واقٍ، ليسوا في دورهم ولا في قبورهم، وإِنما هم في أرض المحشر أمام الواحد
القهار {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pride.canadian-forum.com
 
سورة إبراهيم
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات زمن العزه الجديده :: &&& منتدى القران الكريم وعلومه &&& :: القران الكريم :: تفسير القرآن-
انتقل الى:  

يا ودود يا ودود يا ودود .. ياذا العرش المجيد .. يا مبدئ يا معيد .. يا فعالا لما يريد .. أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك .... وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك .. وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء .. لا إله إلا أنت .. يا مغيث أغثني يا مغيث أغثني يا مغيث أغثني استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه .. استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ... استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه .. اللهم إنا نسألك زيادة في الأيمان. وبركة في العمر .. وصحة في الجسد .. وذرية صالحه .. وسعة في الرزق .. وتوبة قبل الموت .. وشهادة عند الموت .. ومغفرة بعد الموت .. وعفواً عند الحساب ... وأماناً من العذاب .. ونصيباً من الجنة .. وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم .. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين .. واشفي مرضانا ومرضا المسلمين .. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات .. والمؤمنين والمؤمنات ... الأحياء منهم والأموات .. اللهم من اعتز بك فلن يذل .. ومن اهتدى بك فلن يضل .. ومن استكثر بك فلن يقل .. ومن استقوى بك فلن يضعف .. ومن استغنى بك فلن يفتقر .. ومن استنصر بك فلن يخذل .. ومن استعان بك فلن يغلب .. ومن توكل عليك فلن يخيب .. ومن جعلك ملاذه فلن يضيع .. ومن اعتصم بك فقد هدي إلى صراط مستقيم .. اللهم فكن لنا وليا ونصيرا ً... وكن لنا معينا ومجيرا .. إنك كنت بنا بصيرا .. يا من إذا دعي أجاب .. يا رب الأرباب .. يا عظيم الجناب .. يا كريم يا وهّاب .. رب لا تحجب دعوتي .. ولا ترد مسألتي .. ولا تدعني بحسرتي .. ولا تكلني إلى حولي وقوّتي .. وارحم عجزي .. وأنت العالم سبحانك بسري وجهري .. المالك لنفعي وضري ... القادر على تفريج كربي .. وتيسير عسري .. اللهم أحينا في الدنيا مؤمنين طائعين .. وتوفنا مسلمين تائبين ... اللهم ارحم تضرعنا بين يديك .. وقوّمنا إذا اعوججنا .. وكن لنا ولا تكن علينا .. اللهم نسألك يا غفور يا رحمن يا رحيم .. أن تفتح لأدعيتنا أبواب الاجابه .. يا من إذا سأله المضطر أجاب .. يا من يقول للشيء كن فيكون ... اللهم لا تردنا خائبين .. وآتنا أفضل ما يؤتى عبادك الصالحين .. اللهم ولا تصرفنا عن بحر جودك خاسرين .. ولا ضالين ولا مضلين .. واغفر لنا إلى يوم الدين .. برحمتك يا أرحم الرحمين .. أستغفر الله العظيم الذي لا اله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ربنا آتنا في الدنيا حسنة... وفي الآخرة حسنة... وقنا عذاب النار اللهم إني اسألك من خير ما سألك به محمد صلى الله عليه وسلم .. واستعيذ بك من شر ما استعاذ به محمد صلى الله عليه وسلم .. اللهم ارزق كاتب وقارىء الرسالة ومن ساهم بنشرها مغفرتك بلا عذاب .. وجنتك بلا حساب ورؤيتك بلا حجاب .. اللهم ارزق كاتب وقارىء الرسالة ومن ساهم بنشرها زهو جنانك .. وشربه من حوض نبيك واسكنه دار تضيء بنور وجهك .. اللهم اجعلنا ممن يورثون الجنان ويبشرون بروح وريحان ورب غير غضبان .. اللهم حرم وجه كاتب و قارىء الرسالة ومن ساهم بنشرها على النار واسكنهم الفردوس الاعلى بغير حساب .. اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين ,, يارب اللهم يا عزيز يا جبار اجعل قلوبنا تخشع من تقواك واجعل عيوننا تدمع من خشياك واجعلنا يا رب من أهل التقوى وأهل المغفرة وأخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

قاطعوا المنتجات الدنماركية

.: انت الزائر رقم :.

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



المواضيع الأخيرة
» تحميل برنامج لصيانة الجهاز 2015
السبت 10 ديسمبر 2016, 10:54 من طرف ebrehim

»  لأصلاح اخطاء الهارد ديسك مجانا2017
السبت 10 ديسمبر 2016, 10:52 من طرف ebrehim

» برنامج لصيانة الويندوز 2017 وتحسين أداء الكمبيوتر
السبت 10 ديسمبر 2016, 10:50 من طرف ebrehim

» برنامج موبيل Security & Antivirus
السبت 10 ديسمبر 2016, 10:48 من طرف ebrehim

» انتي فيرس نود 2016
السبت 10 ديسمبر 2016, 10:46 من طرف ebrehim

» افيرا انتي فيرس 2017
السبت 10 ديسمبر 2016, 10:45 من طرف ebrehim

» ياهو 2017
السبت 10 ديسمبر 2016, 10:44 من طرف ebrehim

» Internet Download Manager 2017
السبت 10 ديسمبر 2016, 10:43 من طرف ebrehim

» وصايا من القلب
الخميس 23 يناير 2014, 22:47 من طرف شهد الحرية

» الليمون يعتبر بديلاً طبيعياً لعلاج حب الشباب وتبييض السنان
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 15:53 من طرف ebrehim

» السلطة وعصير الليمون والبرتقال دواء لمشكلات كثيرة
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:49 من طرف ebrehim

»  استخدام الليمون عند تناول اللحوم يحافظ على الصحة
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:47 من طرف ebrehim

» السمنة تتسبب فى 9 أورام سرطانية والتدخل الجراحى الأفضل للعلاج
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:44 من طرف ebrehim

» الرمان يزيد من القدرة الجنسية لدى الرجال
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:42 من طرف ebrehim

» إزالة الدهون من اللحوم يقلل من أضرارها
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:38 من طرف ebrehim

»  البقدونس أفضل مصدر للمواد التى تكبح نمو الخلايا السرطانية
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:36 من طرف ebrehim

» مضغ العلكة وأكل الحلويات والمثلجات يضاعف من شدة الصداع
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:34 من طرف ebrehim

» الصداع سببه الرئيسي من آلام الرأس وليس متاعب العين
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:32 من طرف ebrehim

» فيتامين C مفيد في الوقاية من هشاشة العظام
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:28 من طرف ebrehim

» مسكنات الألم تزيد من الصداع!
الأربعاء 16 أكتوبر 2013, 13:26 من طرف ebrehim